بكلمة… إنها المصالح


لفهم الهجوم الأمريكي على إيران لابد من وضعه في سياق صراع استراتيجي طويل الأمد، تتقاطع فيه التجارة العالمية والممرات المائية وصعود الصين وتوسع إسرائيل واهتزاز شعبية ترامپ ونتانياهو في الداخل. كيف ذلك؟
أولا، الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بنت قوتها على مبدأ واضح قِوامه السيطرة على البحار تعني السيطرة على الاقتصاد العالمي.
واليوم يمر جزء حاسم من تجارة الطاقة عبر مضيق هرمز، ويمثل هذا الممر وحده شريانا لا يمكن تعويضه بسهولة.
وطبعا امتلاك ايران لقدرة تعطيل الملاحة، سواء بشكل مباشر أو عبر حلفائها، يحولها من دولة اقليمية إلى فاعل قادر على تهديد الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وبالنتيجة، يصبح الضغط العسكري رسالة وقائية مفادها أن الممرات المائية خط أحمر، وأن الجغرافيا لا يسمح لها أن تتحول إلى سلاح بيد خصم غير منضبط بمنطق السوق العالمي؛
ثانيا، الصراع مع إيران لا ينفصل عن الصراع مع الصين؛ ومعلوم أن بكين تعتمد بشكل متزايد على نفط الخليج، وتستثمر في ممرات التجارة من خلال مبادرة الحزام والطريق.
وطبعا، أي تهديد “لمضيق هرمز” أو “باب المندب” باليمن ينعكس فورا على الاقتصاد الصيني، وهنا تتحول إيران إلى عقدة في حرب غير معلنة بين واشنطن وبكين، حيث لا تستهدف القواعد العسكرية الصينية، بل سلاسل الإمداد التي تقوم عليها نهضتها. وكما قال المؤرخ بول كينيدي، في كتابه الشهير “صعود وسقوط القوى العظمى” فإن القوى العظمى لا تسقط بضربة عسكرية مباشرة، بل حين تعجز عن حماية شرايينها الاقتصادية.
ثالثا، أمن إسرائيل عنصر ثابت في الاستراتيجية الامريكية، وإيران، من خلال دعمها لحزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن وقوى شيعية في العراق، لا تهدد اسرائيل فقط عسكريا، بل تسهم في خلق مجال اقليمي متصل يحد من هامش الحركة الاسرائيلية.
وحتى فكرة “اسرائيل الكبرى”( وقد قالها صراحة السفير الأمريكي في تلأبيب) حين لا تقدم كمشروع حدودي معلن، تعمل كمنطق أمني يقوم على تفكيك محيط القوة ومنع تماسكه. وبالمحصلة فاستهداف ايران هو استهداف للعقدة التي تمسك هذا المجال ببعضه؛
رابعا، السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح شديد هو لماذا غير مسموح لإيران امتلاك السلاح النووي بينما سُمِح لـ باكستان بذلك؟ الجواب بسيط؛ لأن پاكستان منذ الحرب الباردة، هي حليف وظيفي لواشنطن، وخطابها لا يقوم على تحدي واشنطن ولا تلأبيب ولا استهداف لمصالح إسرائيل ولا مصالح العم سام، لكن في المقابل، تجمع إيران بين خطاب عقائدي معاد للهيمنة “الأمريصهيونية” وسعي متواصل الى إمتلاك قدرة ردع نووية، ومن تم فالخوف الأمريكي ليس من القنبلة النووية وفقط، وإنما الخوف من قدرة إيران على اتخاذ قرارات مستقلة في سياستها الإقليمية والعالمية إذا امتلكت السلاح النووي.
خامسا، علينا أن لاننسى أن إيران لا تتحرك كدولة فقط، بل كشبكة نفوذ؛ فدعمها المتواصل لحزب الله في جنوب لبنان و أنصار الله في شمال اليمن، وقوى عراقية، كل هذا يمنحها قدرة على الضغط دون مواجهة مباشرة. وطبعا هذا النمط من الحروب الموزعة يقلق واشنطن، لانه يضعف قوى الردع التقليدية ويجعل كلفة المواجهة مفتوحة لمدة طويلة؛ لذلك لا يستهدف الضغط الأمريكي طهران لوحدها، بل يسعى إلى إضعاف الشبكة التي تجعل منها فاعلا اقليميا مرنا وقادرا على المناورة؛
سادسا، لا يمكن فصل القرار الخارجي عن الأزمة الداخلية التي تعتمل داخل أمريكا واسرائيل؛ فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه تراجعا حادا في الشعبية، لدى الأمريكيين، نتيجة تورط اسمه في فضيحة “إبستين” ونتانياهو يعيش أزمات سياسية وقضائية متواصلة؛ وطبعا في مثل هذه اللحظات، تتحول السياسة الخارجية إلى أداة لتوحيد الداخل وصرف الانتباه عن الانكسار في الداخل. وهذا ملخص ما ذهب إليه المؤرخ ارنست هوبزباوم، عندما أكد على أن الازمات الداخلية كثيرا ما تصدر الى الخارج في شكل صراعات دولية.
بكلمة إنها المصالح؛ والهجوم الأمريكي على إيران ليس نتيجة حدث طارئ ولا ملف نووي معزول، بل تعبير عن صراع شامل تدافع فيه الولايات المتحدة عن “ربيبتها” للوصول إلى حلمها “اسرائيل من النيل إلى الفرات”، كما تدافع عن هيمنتها على التجارة والممرات المائية، وتواجه صعود الصين، وتعيد إنتاج شرعية سياسية داخلية مهزوزة بفعل فضيحة “ايبستين” بالنسبة “للمتهور”، كما يصفه الظرفاء في بلاد العم سام، وبفعل الملاحقات القضائية، بالنسبة “للماهر في الهروب من العدالة” كما يصفه ظرفاء الإعلام في إسرائيل .
ظهرت المقالة بكلمة… إنها المصالح أولاً على موقع بديل.
تعليقات: (0) إضافة تعليق